
التعاطف هو أحد أقوى المهارات العاطفية. تُعدّ القصص من أثمن الهدايا التي يُمكننا تقديمها لأطفالنا، ولكنها في الوقت نفسه من أصعبها شرحًا بالكلمات. فالحكايات والقصص اليومية والأساطير تُشكّل جسرًا مثاليًا بين مشاعر الطفل ومشاعر الآخرين، لأنها تدعو الأطفال إلى وضع أنفسهم مكان الشخصيات الأخرى، وملاحظة تصرفاتهم، والإنصات إلى أفكارهم، وفهم كيف تؤثر أفعالهم وأفعال الآخرين عليهم.
عندما ينغمس الطفل في قصة ويتابع مغامرات أبطالها، إنها لا تسليه فحسب، بل تدرب عقله أيضاً. لكي يتعرفوا على المشاعر، ويفسروا لغة الجسد، ويفهموا العواقب، ويشككوا في أحكامهم. لهذا السبب، يوجد العديد من المتخصصين في التربية العاطفية يوصون باستخدام القصص والحكايات الخرافية لتنمية التعاطف منذ الطفولة المبكرة، سواء في المنزل أو في الفصل الدراسي.
ما هي التعاطف حقاً، ولماذا هو مهم جداً في مرحلة الطفولة؟
عندما نتحدث عن التعاطف، لا نقصد "الشعور بنفس شعور" الشخص الآخرلا يتعلق الأمر بالموافقة على كل شيء، بل بالقدرة على فهم مشاعرهم وأسبابها، من وجهة نظرهم لا من وجهة نظرنا. إنه أشبه بارتداء نظارات شخص آخر للحظة والنظر إلى العالم من خلال عينيه وتجاربه ومخاوفه.
الطفل المتعاطف قادر على تحديد المشاعر في الذات وفي الآخريناستمع دون إصدار أحكام، وافهم كيف تؤثر كلماتك وأفعالك على الآخرين، وقدّر سلوكيات مثل اللطف والتضامن والتسامح والاحترام. الأمر لا يقتصر على "أن تكون جيدًا" فحسب، بل يتعلق بتطوير نظرة أوسع وأكثر مرونة للواقع.
أظهر علم الأعصاب أن كلما زاد تمرين الطفل على التفكير في الآخرينكلما زاد تفاعلنا مع الآخرين، كلما تعززت شبكات الدماغ المرتبطة بالتعاطف والرحمة. بعبارة أخرى، إنها ليست مهارة ثابتة، بل يمكن تنميتها. في كل مرة نسأل فيها: "كيف تعتقد أن هذه الشخصية تشعر؟" أو "ماذا كان شعور صديقك عندما حدث ذلك؟"، فإننا نمارس نوعًا من "التدريب على التعاطف".
ترتبط هذه القدرة ارتباطًا وثيقًا بـ الذكاء العاطفي موجود بالفعل صحة العلاقات الاجتماعيةيميل الأطفال الذين يمارسون التعاطف إلى التعامل مع النزاعات بشكل أفضل، ولديهم المزيد من الأدوات لحل سوء الفهم، ويشاركون بشكل أكبر في مساعدة الآخرين، ويعانون بشكل أقل من التنمر أو ديناميكيات الإقصاء لأنهم يفهمون بشكل أفضل ما يكمن وراء بعض السلوكيات.
في عالمٍ تسود فيه النزعة الفردية والتسرع والمظاهر في كثير من الأحيان، يصبح التثقيف في مجال التعاطف بمثابة فعل مقاومة تقريبًايتعلق الأمر بتعليم أنه لا توجد طريقة واحدة لتجربة الأشياء، وأن كل شخص يشعر بشكل مختلف، وأن هذا التنوع يستحق أن يُسمع ويُحترم.
كيف تساعد القصص في تنمية التعاطف لدى الأطفال
تُعتبر القصص أداة مميزة لأنها تسمح للأطفال بتجربة مواقف شديدة دون التعرض لمخاطر حقيقية. من خلال التماهي مع الشخصياتإنهم ينفتحون على مشاعر ربما لم يختبروها بشكل مباشر أو لا يعرفون كيف يعبرون عنها. فالقصة الجيدة لا تأسر وتسلي فحسب، بل ترافق نمو الطفل العاطفي والاجتماعي.
عند قراءة قصة أو الاستماع إليها، يُجبر الطفل تقريبًا على أن تضع نفسك مكان الأبطاليلاحظون كيف تتغير تعابير الآخرين، وكيف تختلف نبرة أصواتهم، وما هي عواقب قراراتهم على الآخرين. تُعدّ كتب الصور، وخاصة تلك التي تنعكس فيها المشاعر بوضوح في الإيماءات والوضعيات، مفيدة بشكل خاص لتعلم قراءة اللغة غير اللفظية.
حتى القصص الصامتة تُعدّ كنزاً ثميناً لتنمية التعاطف: يتعين على الطفل تفسير القصة من خلال الصور فقط.تخيّل ما تفكر فيه الشخصيات وما تشعر به، ثم عبّر عنه لفظياً. هذا يُنشّط مهارات الملاحظة والإبداع العاطفي لديهم.
بالإضافة إلى ذلك، تم تصميم بعض القصص خصيصًا لتسليط الضوء على المواقف المتعاطفة: شخصيات تستمع بهدوء، وتتوقف لفهم ما يحدث للآخرين، وتصلح الضرر الذي تسببوا فيه، وتطلب المغفرة، أو تشكك في تحيزاتها الخاصة. عندما يرى الطفل تلك السلوكيات منعكسة، وسيكون لديهم المزيد من الموارد لتقليدهم في حياتهم اليومية.
المفتاح في كيف يرافق الكبار القراءة: إذا أضفنا أسئلة بسيطة مفتوحة النهاية أسئلة مثل "لماذا تعتقد أنه غضب؟"، "كيف تعتقد أنه يشعر الآن؟"، "ماذا يمكنني أن أفعل لمساعدته؟"، تصبح القصة أداة حقيقية للتثقيف العاطفي وليست مجرد تسلية.
السمات الرئيسية للشخص المتعاطف التي يمكننا تمثيلها من خلال القصص
الشخص الذي يتمتع بتعاطف جيد لا يعرف فقط كيف يضع نفسه مكان الآخرين؛ بل أيضاً فهي تنمي مجموعة من المهارات والقيم التي يمكن للقصص أن تعرضها بشكل جيد للغاية. في المواقف اليومية:
- يدرك مشاعره الخاصة ومشاعر الآخرين: الحزن، الغضب، الخوف، الفرح، الخجل... وفهم كيف تتجلى هذه المشاعر في الإيماءات ونبرة الصوت والوضعيات.
- استمع بنشاطانتبه دون مقاطعة، ودون إصدار أحكام، وأظهر اهتماماً حقيقياً بما يشعر به الشخص الآخر وما يقوله.
- إنها تعبر عن نفسها برقة.مراعاة كيف يمكن أن تؤثر كلماتهم أو نكاتهم على قلب الشخص الآخر.
- قيم التسامح والتضامن واللطف والاحتراموالتصرف وفقًا لهذه القيم، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن كونك على صواب أو عن المكاسب الشخصية الفورية.
قصص تتضمن شخصيات حساسة ومحترمة، أو قصص حيث تؤثر قرارات أحد الأبطال بشكل مباشر على الآخرينتُتيح هذه الأساليب للأطفال تصور كيف يمكن لأفعالهم أن تؤذي أو تُفيد من حولهم. ومن الأسهل بكثير التحدث عن هذه الأمور عند استخدام مواقف خيالية كأمثلة بدلاً من توجيه اللوم للطفل نفسه في لحظة غضب.
وعلاوة على ذلك، التغيرات في الأدوار ووجهات النظر (على سبيل المثال، القصص التي يكون فيها الأب هو من يثير نوبات الغضب، أو التي يتم فيها سرد نفس الحدث من منظور شخصيتين مختلفتين) رائعة لتفكيك الأفكار الجامدة، والتغلب على الأحكام المسبقة، وفتح الباب أمام محادثات قوية للغاية حول العدالة والاحترام والتفاهم.
أمثلة على قصص تعزز التعاطف (من 0 إلى 8 سنوات)
فيما يلي مجموعة مختارة من القصص والألبومات التي، نظراً لنهجها، إنهم يشجعون الأطفال بشكل خاص على وضع أنفسهم مكان الآخرين. وتأمل في العواقب العاطفية لما تفعله كل شخصية.
الأمهات والآباء والإرهاق الخفي: "خمس دقائق من السلام"
تتميز هذه القصة بتصوير عائلة من الأفيال بشكل إنساني للغاية: أم مرهقة تريد فقط بضع دقائق لنفسها وثلاثة أطفال صغار نشيطين لا يتوقفون عن الحركة. تُجهز الأم حمامًا مريحًا للاسترخاء، لكن سرعان ما يقتحم الأطفال الحمام بحماسهم وحركاتهم المرحة.
الرسوم التوضيحية، المليئة بالتفاصيل والمعبرة للغاية، تجعل الأطفال والكبار يتعاطفون مع الشخصيات. يدرك الأطفال حاجة البالغين للراحة.ويشعر الأطفال الأكبر سنًا أن أحدهم قد نجح أخيرًا في تجسيد شعور "أحتاج إلى خمس دقائق من الهدوء" بالصور. إنها قصة مثالية للتحدث عن العناية بالنفس، ووضع الحدود، والتعاطف مع الأم والأب.
عواقب أفعالنا: "قرصان النجوم"
في هذه القصة، قرصان يُدعى أوليسيس بربروسا كان جائعاً لدرجة أنه قرر أن يأكل كل النجوم في السماءولتحقيق ذلك، يطلب المساعدة من كائنات مختلفة، وينجح في النهاية في الوصول إلى السماوات والتهام النجوم واحداً تلو الآخر، تاركاً السماء مظلمة تماماً.
عندما يرى القمر السماء خالية، يحزن حزناً شديداً. وعندما يلاحظ أوليس حزن القمر، أدرك الضرر الذي تسببت فيه وتشعر بالندم، فتبحث عن طريقة لتصحيح خطئها. إنها قصة مثالية لتعليم الأطفال فكرة أن رغباتهم الشخصية لا ينبغي أن تطغى على مصلحة الآخرين، وأنه من الممكن دائمًا إصلاح الأمور.
بالإضافة إلى ذلك، عادةً ما تُرفق القصة بدليل قصير للعائلات وألعاب بسيطة موجهة إلى ممارسة التعاطف بطريقة مرحةمما يسمح لنا بمواصلة الحديث عن الموضوع بعد القراءة.
التعاون في المنزل: "هذه ليست غابة"
تكتشف باولا أنها تستطيع أن تقول لا لكل ما تطلبه منها والدتها: عدم ترتيب السرير، عدم التنظيف، عدم الاستحمام، عدم ارتداء الملابس... حذرته والدته، بهدوء واحترام بالغين، من أن المنزل سيتحول إلى غابة إن لم يُساعده أحد. وهكذا كان: امتلأ المنزل بالحيوانات والفوضى والاضطراب.
شيئًا فشيئًا، تدرك باولا أن العيش معًا أصبح غير مستدام و تتعاطف مع والدتها من خلال تجربتها المباشرة إنها قصة تُعبّر عن شعور المرء عندما لا يُصغي إليه أحد. إنها قصة طريفة للغاية، مصحوبة برسوم توضيحية مؤثرة، تُتيح لك التحدث عن المسؤوليات والاحترام والحياة الأسرية دون اللجوء إلى أسلوب التلقين.
عندما لا نرى مشكلة الشخص الآخر: "ضع نفسك مكاني"
في هذه القصة، يخبر أصدقاء صرصور صغير عن مخاوفهم، لكن إنه يعتقد أن كل شيء هراء.يُقلل من شأن ما يحدث لهم، ويرى أنهم يُبالغون، ولا يُبدي اهتماماً كبيراً. إلى أن يأتي يومٌ يُصبح فيه هو من يمرّ بصعوبةٍ كبيرة.
عندها يدرك ما هو شعورك عندما لا يفهم أحدهم انزعاجك؟ ويعكس ذلك افتقارهم السابق للتعاطف. وتساعد الحبكة الأخيرة الأطفال على فهم أن ما قد يبدو تافهاً لشخص ما قد يكون مأساة لشخص آخر، وأن هذا يستحق الاحترام.
نسختان من نفس القصة: "حكاية وحشين"
تروي هذه القصة المغامرة نفسها مرتين: أولاً من منظور فتاة تعتقد أنها تنقذ وحشًا غريبًا من الغابة، ثم من منظور آخر. وجهة نظر ذلك "الوحش" الذي يشعر بأنه محاصر ولا شيء سعيد في منزل الفتاة.
يتميز الهيكل بأنه أصلي للغاية ويسمح للأطفال برؤية كيف يمكن أن تكون تجربة الموقف مختلفة جذرياً الأمر يعتمد على من يروي القصة. فهو يشجع على التفكير في احترام رغبات الآخرين، وأهمية الاستئذان قبل "المساعدة"، والقدرة على تصحيح الموقف عندما ندرك أننا انتهكنا مساحة شخص آخر دون قصد.
الأعذار والمخاوف وتغيرات الرأي: "الحمامة تحتاج إلى حمام"
يضم هذا الألبوم حمامة متسخة للغاية ورائحتها كريهة، لكن يرفض تماماً الاستحمامتتطلب القصة تعاونًا فعالًا من الأطفال لإقناعها: فهم يحاولون إقناعها، بينما تستمر الحمامة في تغيير عذرها.
تبدو القصة قريبة جداً من الحياة اليومية: يكشف ذلك عن المخاوف والمقاومة وتغيرات الرأي بطريقة فكاهية. إنها تُستخدم للحديث عن العناد، وعن شعورنا عندما يُصرّ أحدهم على أن نفعل شيئًا ما، وعن ما يحدث عندما نُقدم أخيرًا على الخطوة ونكتشف أنها لم تكن سيئة للغاية في نهاية المطاف.
قصصٌ تُلقي نظرةً مختلفةً على التنمر والصراع
كما أن التعاطف عنصر أساسي في منع التنمر وغيره من الصراعات بين الأقران. عندما يستطيع الطفل أن يرى ما يمر به شخص آخرمن غير المرجح أن ينضموا إلى العدوان أو أن يجعلوا بعض السلوكيات الضارة أمراً طبيعياً.
رؤية ما وراء النكات: "نونا تستطيع قراءة الأفكار"
تصل نونا إلى المنزل وهي حزينة للغاية لأن ضحك أحد الزملاء عليهاتُريحها والدتها وتُهديها نظارة سحرية تُمكنها من سماع ليس فقط ما يقوله الناس، بل ما يُفكرون فيه حقًا. ومنذ ذلك الحين، تُلاحظ نونا العديد من المواقف: الصراعات، وانعدام الأمان، والمخاوف الخفية...
تساعد القصة على فهم ذلك قد يكمن وراء المزحة أو التعليق المؤذي ألم أو خجل أو خوفينطبق هذا على كل من المُستقبِل والمُرسِل. إنها أداة فعّالة للغاية لتنمية التعاطف في حالات التنمّر أو النزاعات الصفية، وتشجع الناس على النظر إلى الموقف من زوايا متعددة.
التنوع ووجهات النظر الخارجية: "العجب. كلنا فريدون"
تتميز هذه النسخة المخصصة للأطفال من رواية "العجائب" الشهيرة بشخصية صبي ذي مظهر مختلف يتلقى نظرات وتعليقات مستمرة من قبل الآخرين. عندما يغمره الموقف، يرتدي خوذة رائد فضاء ويسافر في خياله إلى مكان يكون فيه الجميع مختلفين.
تستكشف القصة برقة تجربة كون المرء "غريب الأطوار" أو "مختلفاً"، وتوضح كيف إن تغيير نظرتك لشخص ما يمكن أن يغير العلاقة تماماً.فهو يتيح لك التحدث مع الأطفال عن الاحترام والشمول والتنوع وأهمية اختيار أن تكون لطيفًا بدلاً من أن تكون "مضحكًا" على حساب الآخرين.
تغييرات الأدوار لفهم الأمهات والآباء
هناك قصص تتناول فكرة عكس الأدوار التقليدية: يتصرف البالغ كطفل ويتعين على الطفل التعامل مع هذا الموقف. هذا المورد جذاب للغاية للأطفال، وفي الوقت نفسه يساعدهم على فهم مشاعر والديهم عندما يرفضون التعاون.
عندما يكون الشخص البالغ هو من يقول "لا": قصص تسلا
في هذه القصص، يكون الأب (أو الأم، في النسخة الموازية) هو من يرد بـ"لا" مدوية على جميع مقترحات الابنة: يغضب، ويقاوم، وينتابه نوبات غضب صغيرة.يتعين على الفتاة، تسلا، استخدام الصبر والإبداع والفكاهة للتعامل مع الموقف.
تُعد هذه القصص مصدراً رائعاً للصغار وضعوا أنفسهم مكان والديهم ويساعد ذلك على فهم مشاعر الأطفال بشكل أفضل عند مواجهة الرفض المستمر. وفي الوقت نفسه، يساعد البالغين على التعامل مع التربية بمزيد من الفكاهة والاحترام، واكتشاف استراتيجيات ألطف للتعامل مع نوبات غضب الأطفال.
"أبي" و"أبي في حديقة الحيوان": رؤية الوالدين من زاوية مختلفة
في قصة "أبي"، لا يرغب الأب في النوم، وينشأ صراع طريف لإقناعه بالاستلقاء. أما في قصة "أبي في حديقة الحيوان"، فيتصرف الأب أحيانًا كطفل مندفع أو متقلب المزاج أو نفاد الصبر، بينما الابن حاول أن تحافظ على هدوئك وتسيطر على الموقف..
تُظهر الرسوم التوضيحية، ذات الطابع الأصلي للغاية والمليئة بروح الدعابة، أبًا محبًا ولكنه أيضًا مُرهَق، مما يسمح للطفل إن رؤية أن البالغين أيضاً يشعرون بالتعب والإحباط أو يفقدون أعصابهمإنه مثالي لمناقشة كيف تؤثر مواقف الآخرين علينا ولتعزيز التعاطف تجاه القدوة الحسنة.
الصداقة والرعاية المتبادلة: "يوم مختلف للسيد آموس"
في هذه القصة، يعمل السيد آموس في حديقة حيوانات وكل يوم تستيقظ مبكراً لرعاية أصدقائها من الحيواناتالفيل، والسلحفاة، والبطريق، ووحيد القرن، والبومة. ودائماً ما يقدم لكل واحد منهم لفتة لطيفة، أو كلمة محبة، أو هدية صغيرة، محترماً طباعهم واحتياجاتهم.
في أحد الأيام مرض ولم يستطع الذهاب إلى العمل. فقررت الحيوانات، قلقة عليه، الذهاب إلى منزله ومساعدته. كل الحب والاهتمام الذي يتلقونه منه يومياًالقصة جوهرة صغيرة عن الصداقة والامتنان والرعاية المتبادلة، وهي تجسد بشكل مثالي العديد من صفات الشخص المتعاطف: الاستماع، واللطف، والحساسية، والرغبة في المساعدة، واحترام الاختلافات.
قصص تغير منظورك: قصة ذات الرداء الأحمر والذئب من وجهة نظر متعاطفة
يُعدّ أحد الموارد الفعّالة جدًا لتنمية التعاطف هو إعادة النظر في القصص الكلاسيكية من وجهات نظر أخرىتُعد قصة ذات الرداء الأحمر والذئب مثالاً مثالياً: فعلى مر الأجيال، تم تقديم الذئب على أنه "الشخص الشرير للغاية" وذات الرداء الأحمر على أنها الضحية المطلقة، ولكن ماذا يحدث إذا استمعنا إلى كلا نسختي القصة؟
"ذات الرداء الوردي الصغير": صوت حفيدة لا ترغب في المساعدة
في هذه الرواية الجديدة، تروي ليلى الصغيرة ذات الرداء الأحمر قصتها بنفسها: اسمها ليلى الصغيرة ذات الرداء الوردي، وتعيش مع والدتها على حافة الغابة، وفي أحد الأيام تطلب منه والدته أن يأخذ بعض الكعك إلى جدته.إنها تشاهد برنامجها المفضل على التلفزيون ولا تشعر برغبة في النهوض في تلك اللحظة.
يروي كيف أنه دائمًا ما يكون في مزاج سيئ، وكيف يتفاعل بحدة عندما يقترب الذئب، وكيف أنه عند وصوله إلى منزل جدته، شعر بالخوف من مظهرها واكتشف أن الذئب قد وصل أولًا. طوال القصة، تتسلل أفكار مثل "جدتي هي إحدى شخصياتي المفضلة"، كاشفةً المودة التي يشعر بها رغم كسله الأولي.
تتيح لنا هذه القصة التحدث مع الأطفال عن الرغبة في الطاعة، ومقاومة مقاطعة نشاط ما للمساعدة والمشاعر المختلطة التي قد تظهر: الغضب، والخوف، والمودة، والشعور بالذنب... كما أنها تدعونا إلى فهم أن المعروف ليس دائمًا شيئًا نرغب في فعله في تلك اللحظة، ولكنه قد يكون مهمًا لشخص نحبه.
"الذئب المظلوم": عندما نستمع أخيرًا إلى "الشخص السيئ".
وفي رواية الذئب، يشرح أن الغابة هي موطنه وهو يحرص على الحفاظ عليها نظيفة.في أحد الأيام، رأى فتاة ترتدي ملابس غريبة، كلها وردية اللون وتغطي رأسها، الأمر الذي أثار شكوكه. فقرر أن يسألها عن هويتها ووجهتها، فأجابته بثقة زائدة أنها ذاهبة إلى منزل جدتها.
يتعاون الذئب مع الجدة لتعليم الطفلة الصغيرة درسًا في احترام البيئة، وتختبئ العجوز تحت السرير بينما يتنكر الذئب في ملابسها. وعندما تصل ذات الرداء الأحمر، يبدأ الذئب بإطلاق تعليقات جارحة عن أذنيها وعينيها وأسنانها. يتحمل الذئب ذلك لفترة، لكن يشعر بألم متزايد بسبب الإهانات وينتهي به الأمر بالرد بصيحة مكتومة.
يتفاقم الوضع ويخرج عن السيطرة، فتصاب الفتاة بالذعر، ويظهر حطّاب يحمل فأسًا، ويهرب الذئب من النافذة. ومنذ ذلك الحين، لا أحد يصغي إلى روايتها. الجدة لا تفصح عما تم الاتفاق عليه. وعلى الفور انتشرت عليه صفة "الذئب الشرير الكبير"، والتي تطارده إلى الأبد.
تدعو هذه القصة الأطفال إلى التأمل ماذا يحدث عندما نسمع جزءًا فقط من القصة؟يستكشف هذا العمل كيفية تشكّل الأحكام المسبقة، وما هو شعور المرء عندما يُوصم ظلماً. كما يتيح لنا التشكيك في الاعتقاد السائد بأن بعض الشخصيات (أو الأشخاص) "سيئون" بطبيعتهم، ويفتح المجال لمشاركة تجارب شخصية غيّرنا فيها آراءنا بعد التعرّف على وجهة نظر أخرى.
أسئلة للعمل على قصة ذات الرداء الأحمر مع الأطفال
بعد قراءة النسختين، من المفيد جدًا فتح حوار موجه. يمكننا طرح أسئلة مثل:
- ما هو شعورك تجاه هذه القصة؟ كيف تظن أن الذئب شعر؟ وماذا عن ذات الرداء الأحمر؟
- من يخاف من الذئب الشرير هذه الأيام؟ هل تعتقد أن الذئب أكثر عدوانية من الحيوانات الأخرى؟ ما الذي تخاف منه؟
- هل تحب أن تطيع عندما يُطلب منك معروف؟ هل تعتقد أنه يجب على المرء أن يطيع دائماً؟ هل شعرت يوماً برغبة قوية في العصيان؟
- ما رأيك بالذئب قبل أن تسمع روايته للأحداث؟ وما رأيك الآن؟
- ما كان انطباعك عن قصة ذات الرداء الأحمر من قبل؟ وما رأيك بعد الاستماع إلى كليهما؟
- هل سبق لك أن غيرت رأيك؟ بعد الاستماع إلى شخص آخر يشرح وجهة نظره في القصة؟
لا تهدف هذه الأسئلة إلى جعل الأطفال يقدمون "الإجابة الصحيحة"، بل تعلم مراجعة أحكامك والنظر في وجهات نظر مختلفة.هذا التمرين العقلي والعاطفي هو أساس التعاطف تحديداً.
حكاية رمزية حديثة: "غضب روكي" وسوء الفهم
نوع آخر من القصص مفيد جدًا للتعاطف هو الحكاية البسيطة حيث سوء فهم بسيط يؤدي إلى نزاع"غضب روكي" مثال واضح جداً، يسهل فهمه حتى بالنسبة لأصغر الأطفال.
في يوم مشمس، كانت العديد من الحيوانات تلعب في الحديقة وتصطف في طابور للصعود على الأرجوحة. أما القنفذ بوا، فكان يحاول تجنب السقوط. يتكئ عن طريق الخطأ على السلحفاة روكي ويوخزها بأشواكه.علاوة على ذلك، انتهى بها الأمر بالوقوف أمامها في الطابور دون أن تدرك ذلك. ففسّرت روكي ذلك على أنه فعل متعمد منها لتسبقها، فغضبت بشدة.
تروي السلحفاة بغضب ما حدث لأصدقائها، السنجاب كاسكابيل والفأر بوليتشي، اللذين إنهم ينحازون إلى طرف دون التحقق مما حدثوحده الحمار غاليليو، الأكثر حكمة، اقترح أن الأمر برمته ربما كان حادثًا عرضيًا. لكن روكي رفض تصديق ذلك وأقسم ألا يتحدث إلى بوا مرة أخرى.
قرر غاليليو جمع الجميع وسؤال القنفذ مباشرةً عما حدث. بوا، الذي فوجئ بالاتهام، أوضح أن تعثر دون أن يقصد إلحاق الأذى. وأنه لم يدرك أنه تجاوز الدور. عندما يسمع روكي روايته، يفهم أن غضبه كان مبنياً على سوء فهم، فيتصالحان.
يمكن استخدام هذه الحكاية الرمزية للعمل على العديد من الجوانب: ضع نفسك مكان الشخص الآخر قبل أن تحكم عليه.يتناول الكتاب مخاطر الشائعات، وأهمية طرح الأسئلة وتوضيح الأمور، وكيفية إدارة الغضب. بعد قراءته، يُنصح بإجراء أنشطة فهم المقروء، أو طرح أسئلة صح أو خطأ، أو دعوة الأطفال لرسم المشهد الذي أعجبهم أكثر، لترسيخ ما تعلموه.
استراتيجيات عملية لتعليم التعاطف من خلال القصص
إلى جانب اختيار القصص الجيدة، فإن كيفية استخدامها أمر بالغ الأهمية. ومن الموارد البسيطة التي تعزز التعاطف ما يلي:
- شكّلوا مجموعات صغيرة للعب والقراءةحيث يتعين على الأطفال التناوب والتوصل إلى اتفاقيات وحل النزاعات البسيطة بأنفسهم.
- الانغماس في حياة وأنشطة الآخرين: الاستماع إلى قصص حقيقية، والاهتمام بما يفعله الأطفال الآخرون، والتحدث عن شعورهم في مواقف معينة.
- اقرأ واستمع إلى العديد من القصص المختلفة، بشخصيات متنوعة في سياقات مختلفة، لتوسيع النطاق العاطفي والاجتماعي.
- تدربوا على حل المشكلات معاً، حيث يطرحون معضلات تؤثر على عدة شخصيات ويعملون معًا لإيجاد حلول تأخذ كل واحدة منها في الاعتبار.
بعد القراءة، من الجيد دائماً طرح بعض الأسئلة المفتوحة: ماذا حدث للشخصية، وكيف يشعر/تشعر، وماذا كنا سنفعل؟من قد يعجب بهذه القصة؟ تساعد هذه المحادثات الأطفال على استيعاب قيمة التعاطف وعدم اعتباره مجرد شيء "لطيف يحدث في القصص".
التعاطف ليس مفتاحًا يُشغل بين عشية وضحاها؛ الأمر أشبه بعضلة تزداد قوة مع مرور الوقت. الممارسة اليوميةمثل العزف على آلة موسيقية أو تعلم رياضة. كلما ساعدنا الأطفال على التعاطف مع الآخرين من خلال القصص والحكايات والألعاب والتجارب المشتركة، كلما كانوا أكثر استعدادًا لبناء علاقات صحية، والتعامل مع النزاعات بهدوء، والمساهمة في مجتمع أكثر عدلاً ورحمة وإنسانية.

